الحلبي
72
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
البطن في ذلك الشهر ، فإذا تحرك للخروج وخرج فقد ضعف غاية الضعف فلا يعيش لاستيلاء حركتين مضعفتين له مع ضعفه . وفي كلام الشيخ محيي الدين بن العربي رحمه اللّه تعالى : لم أر للثمانية صورة في نجوم المنازل ، ولهذا كان المولود إذا ولد في الشهر الثامن يموت ولا يعيش . وعلى فرض أن يعيش يكون معلولا لا ينتفع بنفسه ، وذلك لأن الشهر الثامن يغلب فيه على الجنين البرد واليبس وهو طبع الموت : أي وقيل بل كان حمله ووضعه في ساعة واحدة ، وقيل في ثلاث ساعات : أي وقيل بذلك في عيسى عليه السلام : أي وكانت تلك السنة التي حمل فيها برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقال لها سنة الفتح والابتهاج ، فإن قريشا كانت قبل ذلك في جدب وضيق عظيم ، فاخضرت الأرض ، وحملت الأشجار ، وأتاهم الرغد من كل جانب في تلك السنة وفي حديث مطعون فيه « قد أذن اللّه تلك السنة لنساء الدنيا أن يحملن ذكورا كرامة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » أي ولم أقف على ما يجري على ألسنة المداح من أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يذكر اللّه في بطن أمه ، كما نقل عن عيسى عليه السلام أنه كان يكلم أمه إذا خلت عن الناس ويسبح اللّه ويذكره إذا كانت مع الناس وهي تسمع ، وعن شداد بن أوس رضي اللّه تعالى عنه قال « بينا نحن جلوس مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ أقبل شيخ كبير من بني عامر هو بدرة قومه » أي المقدم فيهم « يتوكأ على عصا فمثل بين يدي النبي صلى اللّه عليه وسلم ونسبه إلى جده ، فقال : يا ابن عبد المطلب إني أنبئت أنك تزعم أنك رسول اللّه إلى الناس أرسلك بما أرسل به إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء ألا إنك فهت بعظيم ، وإنما كانت الأنبياء والخلفاء » أي معظمهم « في بيتين من بني إسرائيل وأنت ممن يعبد هذه الحجارة والأوثان ، فما لك وللنبوة ، ولكن لكل حق حقيقة فأنبئني بحقيقة قولك وبدء شأنك ؟ قال : فأعجب النبي صلى اللّه عليه وسلم بمسألته ثم قال : يا أخا بني عامر إن لهذا الحديث الذي سألتني عنه نبأ ومجلسا فاجلس فثنى رجليه ثم برك كما يبرك البعير ، فاستقبله النبي صلى اللّه عليه وسلم بالحديث فقال : يا أخا بني عامر إن حقيقة قولي وبدء شأني أني دعوة أبي إبراهيم عليه السلام : أي حيث قال رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 129 ) [ البقرة : الآية 129 ] أي وعند ذلك قيل له قد استجيب لك وهو كائن في آخر الزمان » كذا في تفسير ابن جرير . قال في ينبوع الحياة : أجمعوا على أن الرسول المذكور هاهنا هو محمد صلى اللّه عليه وسلم . أقول : وفيه أن جبريل عليه السلام أعلم إبراهيم عليه السلام قبل ذلك بأنه يوجد نبي من العرب من ذرية ولده إسماعيل . فقد جاء أن إبراهيم لما أمر بإخراج هاجر أمّ ولده إسماعيل عليه السلام حمل هو وهي وولدها على البراق ، فلما أتى مكة